محمد هادي معرفة
378
شبهات وردود حول القرآن الكريم
- عند إرادته تعالى لتكوين شيء - بين هذه الإرادة وتكوين ذاك الشيء حالا . قال الحجّة البلاغي : « فيكون » فعل مضارع دالّ على الثبوت ، لبيان الملازمة الدائمة بين قوله « كن » وبين تكوّن الشيء بهذا الأمر لا محالة . وبهذه القدرة التامّة والملازمة الدائمة خلق عيسى من غير فحل ، إذ قال له : « كن » . وهو كلام صادر في مقام الاحتجاج بالتمثيل ، ولا تقوم الحجّة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلّا ببيان الملازمة . وهذا بخلاف ما لو قال : كن فكان . لأنّ هذا الأسلوب ( الثاني ) لا يفيد إلّا أن آدم كان . سواء أكان ذلك باتفاق أم بملازمة خاصّة بذلك الكون أو عامّة . وهو أمر معلوم لا فائدة في بيانه ولا حجّة فيه على خلق عيسى من غير فحل . فلا يكون التفريع لو قيل : كن فكان ، إلّا لغوا في كلام متهافت . « 1 » والخلاصة : أنّ فعل المضارعة هنا يدلّ على الملازمة الدائمة بين قولة « كن » والتكوين . فصحّ جريانه بشأن آدم والمسيح على سواء . وهذا على خلاف ما لو قيل « فكان » ، لاحتمال مجرّد الاتفاق وليس عن ملازمة دائمة . . . وهو تنبّه لطيف أفادته قريحة شيخنا العلّامة البلاغي المهديّ بهداية اللّه تعالى . فرحمة اللّه عليه من مجاهد في سبيل اللّه بالعلم والعمل الدائب ، أفاض اللّه عليه شآبيب رضوانه . آمين . وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً « 2 » قال هاشم العربي : كان الصواب أن يقول : وكان قدّامهم . . . « 3 » قلت : ما أقبح بالرجل لا علم له بالعربية وهو يتجرّأ في تخطئة أقدم وأقوم كلام عربي رصين . القرآن أصحّ سند عتيد حفظ على العرب لغتهم الأصيلة ، ولا تزال العرب تعرف أصالتها من القرآن وتستلهم أساليب كلامها من تعابير القرآن ، هذا ما يبدو من العرب خضوعهم تجاه عظمة القرآن ، سواء كانوا ممّن آمنوا به وصدّقوه وحيا - وهم
--> ( 1 ) الهدى إلى دين المصطفى ، ج 1 ، ص 380 . ( 2 ) الكهف 18 : 79 . ( 3 ) ملحق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 426 .